حزب الاستقلال الجديد – السودان
حزب الاستقلال الجديد السودان

استقلال جديد: نستعيد وطننا ونعيد بناء أمتنا

مرحبًا بكم في حزب الاستقلال الجديد

مرحبًا بكم في الموقع الإلكتروني لحزب الاستقلال الجديد.

لا يهدف هذا الموقع إلى مجرد شرح برنامج حزب سياسي للناس، بل يهدف إلى أن يكون ساحة لحوار وطني أوسع بكثير حول بلادنا: من نحن، وكيف وصلنا إلى حالنا الراهن، وأي بلد نريد أن نبني، وكيف يمكننا أن نبنيه.

بدأت الأفكار المطروحة هنا مع مجموعة من السودانيين المقيمين في الخارج، الحريصين أشد الحرص على مصالح وطنهم، والقلقين قلقًا عميقًا على مستقبله، ولا سيما في أعقاب الأحداث الكارثية التي بدأت في 15 أبريل 2023. فقد دمرت الحرب الأرواح والمنازل والمؤسسات والبنية التحتية، وشرّدت الملايين، وعمّقت انقسامات ظلت قائمة لعقود.

وفي ظل هذه الخلفية، قدّم الحزب وثيقته التأسيسية التي ترسم الإطار العام لرؤيته لمستقبل الوطن. ومن القضايا التي تتناولها الوثيقة غيابُ رؤية استراتيجية واضحة ومتكاملة لإعادة بناء البلاد بعد الحرب، والحاجةُ إلى بلورة هذه الرؤية عبر حوار وطني واسع يشارك فيه أبناء البلاد في الداخل والخارج.

غير أن هذا الحزب لم يتأسس لمجرد مناقشة الحرب.

فالمشكلات التي تواجه بلادنا لم تبدأ مع هذه الحرب، ولن تختفي لمجرد أن القتال سيتوقف في نهاية المطاف. ونحن نؤمن بأن ثمة ما هو أعمق بكثير ينبغي فحصه؛ علينا أن نفحص الأمة ذاتها، والأسس التي بُني عليها فهمنا لأنفسنا شعبًا وأمة.

علينا أن نطرح أسئلة طالما تجنبتها الأجيال المتعاقبة: من نحن؟ ما الهوية التاريخية لهذه الأرض وأهلها؟ ما الذي يجمعنا رغم تنوعنا الاستثنائي؟ لماذا أخفق بلد يملك هذه الموارد البشرية والطبيعية الهائلة مرارًا في تحويلها إلى رخاء لشعبه؟ ولماذا خلص كثير من شبابنا إلى أن مستقبلهم يكمن خارج وطنهم؟

والأهم من ذلك كله: ما الذي يمكننا أن نفعله على نحو مختلف لتحقيق الرخاء لشعبنا؟

هذه الأسئلة هي ما يقف وراء فكرة الاستقلال الجديد.

الاستقلال كان البداية لا النهاية

نقل الاستقلال السياسي السيادة من الحكم الاستعماري إلى دولة وطنية، وكان ذلك إنجازًا تاريخيًا. لكن الاستقلال السياسي وحده لا يصنع بالضرورة أمة مستقلة استقلالًا كاملًا.

فالأمة المستقلة حقًا يجب أن تفهم نفسها: أن تعرف تاريخها، وتعترف بالحضارات التي انبثقت منها، وتفهم الأرض التي تقف عليها، وتحترم تنوع شعبها، وتملك من الثقة ما يكفي لتقرير مستقبلها بنفسها.

وفرضيتنا التأسيسية هي أن هذه العملية لم تكتمل قط.

فبعد الاستقلال، هيمن على الحياة العامة تصور ضيق للهوية الوطنية لم يعكس على نحو كافٍ التنوع التاريخي والثقافي والعرقي والإقليمي الاستثنائي للشعب الذي يسكن هذه الأرض. وترى الوثيقة التأسيسية أن ذلك أسهم في انقسام الوعي الوطني وفي تهميش مجتمعات وأقاليم.

ولأجيال عديدة، كثيرًا ما أُجيب عن الأسئلة المتعلقة بهويتنا وتاريخنا ومكانتنا في العالم بسرديات شكّلتها مؤثرات من خارج أرضنا. وقد أُهملت أجزاء من تاريخنا، وربما تاريخنا كله، أو أُسيء فهمها، أو فُسّرت من منظور الآخرين. ومع مرور الوقت، لم يؤثر ذلك في نظرة الآخرين إلينا فحسب، بل في نظرتنا نحن إلى أنفسنا أيضًا.

لقد انقطعت صلة كثيرين منا بالتاريخ الأعمق لهذه الأرض. تعلّمنا القليل جدًا عن الحضارات التي قامت هنا، وتركنا أجزاء من ذاكرتنا الوطنية تتلاشى.

وكنا أحيانًا نبحث خارج حدودنا عن تعريف لأنفسنا، ونتطلع إلى من هو من غير هذه الأرض ليقبلنا ويمنحنا الاعتراف. وافتخرنا بالانتماء إلى مكان آخر بدلًا من هذه الأرض، ونظرنا بازدراء إلى إخوتنا وأخواتنا الذين لا ينتمون إلا إلى هذه الأرض.

ولم تكن العواقب تاريخية أو ثقافية فحسب؛ فالشعب الذي لا يثق بهويته قد يفقد الثقة بقيمته بين الأمم. وعندما يبدأ المواطنون في قياس أنفسهم بهويات مفروضة من الخارج، بدلًا من فهم أنفسهم من خلال تاريخهم وتجربتهم التاريخية، قد تصبح الانقسامات داخل المجتمع أمرًا لا مفر منه.

ولذلك تدعو الوثيقة التأسيسية إلى إعادة تقييم صادقة للهوية الوطنية، هوية قادرة على احتضان الجميع من خلال الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص الحقيقي.

ولهذا نتحدث عن استقلال جديد.

لقد منح الاستقلال الأول بلادنا السيادة السياسية، أما الاستقلال الجديد فعليه أن يمضي أبعد من ذلك؛ عليه أن يبدأ بفهم مستقل لمن نحن، بوصفه الأساس لتحقيق سيادة وطنية حقيقية.

ويعني ذلك إعادة اكتشاف تاريخنا بصدق، والاعتراف بالحضارات والمجتمعات التي نشأت على هذه الأرض، واحترام تنوع شعبنا، وإعادة بناء هوية وطنية متجذرة في هذه الأرض وتجربتها التاريخية، هوية تستمد ثقتها وشرعيتها من داخلها، لا من السعي إلى اعتراف الآخرين أو قبولهم.

ولا يعني ذلك رفض الثقافات أو الأديان أو اللغات أو الصلات التاريخية التي أثرت مجتمعنا، ولا يعني عزل أنفسنا عن محيطنا الإقليمي أو العالم الأوسع. فقد تفاعلت بلادنا دائمًا مع الشعوب المجاورة والحضارات البعيدة، وهذه التفاعلات جزء من تاريخنا.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين أن نتفاعل مع العالم وأن نسمح للعالم بأن يعرّفنا.

فالأمة الواثقة تستطيع أن تحتضن المؤثرات الثقافية وهي مطمئنة إلى هويتها، وأن تتعاون مع الآخرين دون أن تتخلى عن استقلال فكرها، وأن تحترم كل مكوّن من مكونات مجتمعها وهي تبني هوية وطنية مشتركة تقوم أولًا وقبل كل شيء على هذه الأرض وعلى التجربة التاريخية المشتركة لشعبها.

الاستقلال الجديد ليس استقلالًا عن شعب آخر، بل هو استقلال الوعي الوطني. إنه الحرية في أن نفهم أنفسنا من خلال أرضنا وتاريخنا وحضارتنا وتجربتنا الجماعية، مع بقائنا منفتحين على العالم ومحترمين لكل ثقافة أسهمت في مجتمعنا.

ولذلك يبدأ الاستقلال الجديد بسؤال بسيط لكنه عميق: من نحن؟

ونؤمن بأن الإجابة يجب أن تبدأ من هنا: من هذه الأرض وشعبها وتاريخها وحضاراتها.

الوطن يبدأ من الأرض

يبدأ فهمنا للهوية الوطنية بمبدأ بسيط: الوطن يبدأ من الأرض. فمن الأرض يأتي تاريخنا وحضارتنا وذاكرتنا الجماعية وهويتنا الوطنية المشتركة.

والوطن ملك لجميع أبنائه بالتساوي. لا تملكه قبيلة، ولا تملكه جماعة عرقية، ولا يملكه إقليم، ولا يملكه دين، ولا تملكه حركة سياسية. كلنا نرثه، وكلنا مسؤولون عما نسلّمه إلى الجيل القادم.

تمتد بلادنا عبر مشهد طبيعي استثنائي: النيلان، والبحر الأحمر، وصحارى الشمال، والجبال والسهول والغابات والأراضي الزراعية، والمجتمعات التي عاشت فيها لأجيال.

وعلى هذه الأرض قامت حضارات عريقة، منها كوش ومروي. وهي ليست مجرد آثار، بل جزء من الإرث التاريخي للشعب الذي يسكن هذه الأرض اليوم. ويعكس ذلك تأكيد الوثيقة التأسيسية على العلاقة بين الأرض والحضارة والتاريخ والوعي الوطني.

هذا التاريخ ملك لنا جميعًا.

فلا يحتاج المرء أن يكون نوبيًا ليرث الحضارة النوبية، كما لا يلزمه أن ينحدر مباشرةً من كل مجتمع قديم عاش على هذه الأرض لكي يعدّ إنجازاته جزءًا من الإرث الوطني.

فالحضارات تنتمي في نهاية المطاف إلى الأرض التي نشأت فيها، ومن خلال تلك الأرض تصبح جزءًا من إرث الأجيال المتعاقبة.

ولذلك ينبغي أن يوحدنا تاريخنا لا أن يفرقنا.

الوحدة لا تعني التماثل

لا تشترط الوطنية، كما تطرحها هذه الرؤية، أن يتخلى الناس عن ثقافاتهم لكي ينتموا. بل على العكس تمامًا؛ فالأمة القوية ينبغي أن تكون واثقة بما يكفي لاستيعاب الاختلاف.

ينبغي أن يظل البجا فخورين بتراثهم، وأن يحافظ أهل دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة على ثقافاتهم ويطوروها، وأن يُعاد للتاريخ النوبي موقعه الوطني اللائق. وينبغي أن يتمكن كل مجتمع من الحفاظ على لغته وتقاليده وذاكرته، مع المشاركة الكاملة في هوية وطنية مشتركة متجذرة في هذه الأرض وتجربتها التاريخية المشتركة.

تنوعنا ليس عائقًا أمام بناء الأمة، بل هو المادة التي يجب أن تُبنى منها أمتنا.

لا ينبغي أن يكون هناك مواطنون من الدرجة الأولى وآخرون من الدرجة الثانية، ولا مركز يحق لأبنائه أن يكون لهم مستقبل، بينما يُنتظر من أبناء الأقاليم البعيدة أن يكتفوا بانتظار التنمية.

يجب أن تتبع حقوق المواطنة المواطن أينما عاش. فالطفل في قرية نائية والطفل في العاصمة يجب أن ينتميا إلى الأمة نفسها، لا في نصوص الدستور فحسب، بل في الفرص المتاحة لهما.

ولذلك فإن المبدأ المطروح هنا هو الوحدة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية.

مواردنا ملك للأمة

للاستقلال الوطني أيضًا معنى اقتصادي.

فلا يمكن لبلد أن يمارس سيادة اقتصادية حقيقية بينما تُنهب موارده أو تُهدر أو لا تُفهم على النحو الكافي أو تُستغل دون أن تنتج حياة أفضل لشعبه.

إن الذهب في باطن أرضنا، والأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والغابات، والمياه، والمعادن، وساحل البحر الأحمر، والموقع الجغرافي الاستراتيجي للبلاد، ليست مجرد سلع، بل أصول وطنية مؤتمن عليها جيل نيابةً عن الجيل الذي يليه.

ولذلك تربط الوثيقة التأسيسية بين النهضة الوطنية وتأمين موارد البلاد وتوجيه عائداتها نحو التعليم والرعاية الصحية والموانئ والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية.

ينبغي أن تبني الثروة الوطنية القدرات الوطنية.

ينبغي أن يرى الطفل في قرية بعيدة ثروة البلاد متجسدة في مدرسة جيدة، وأن يراها المزارع في الري والنقل والوصول إلى الأسواق، وأن يراها المريض في مستشفى يعمل، وأن يراها الخريج الشاب في فرصة، وأن يراها التاجر في السكك الحديدية والطرق والموانئ. وينبغي أن يتمكن كل مواطن من معرفة مصدر المال العام ووجهة إنفاقه.

هذا هو المعنى العملي للسيادة الاقتصادية المطروحة هنا.

الفخر الوطني يُبنى بالإنجاز

الحضارات التي قامت على أرضنا جزء مهم من تاريخنا، لكن الفخر الوطني لا يمكن أن يعيش إلى ما لا نهاية على ذكريات الماضي.

التاريخ يمكن أن يمنح الأمة الثقة، أما الإنجاز فيجب أن يمنح تلك الثقة مستقبلًا.

والطموح الوطني المطروح للنقاش هو بلد يُعرف بجامعاته ومهندسيه وأطبائه ومزارعيه وعلمائه ورواد أعماله ومعلميه وفنانيه ورياضييه.

وهو يتصور مؤسسات يحترمها المواطنون؛ وإدارة عامة تكون فيها الكفاءة والنزاهة أهم من القبيلة أو الولاء السياسي أو صلة القرابة أو النفوذ الشخصي؛ وزراعة وصناعة وتقنية ونقلًا وبنية تحتية حديثة.

ويتصور كذلك بلدًا لا يكتفي باستهلاك ما يصنعه بقية العالم، بل يصبح على نحو متزايد منتجًا وباحثًا ومصنّعًا ومصدّرًا ومبتكرًا.

ولذلك تضع الوثيقة التأسيسية الشباب والتعليم في مقدمة الأولويات الوطنية للبلاد، انطلاقًا من مبدأ أن البلد يُعاد بناؤه بعمل أبنائه وبناته.

والفخر الوطني، بهذا المعنى، لا يتجلى في الكلمات عن الوطن فحسب، بل فيما يبنيه أبناؤه.

وأي نقاش حول مستقبل البلاد يجب أن يواجه أيضًا أحد أعظم أحداث تاريخها الحديث: انفصال جنوب السودان.

فأيًا كانت الترتيبات السياسية القائمة اليوم، لا يمكن لحدود دولية أن تمحو ببساطة الجغرافيا والتاريخ والأسر والتجارة والثقافة والعلاقات الإنسانية.

ولا يلزم أن تحدد أخطاء الماضي إمكانات المستقبل.

وتقترح الوثيقة التأسيسية إعادة بناء العلاقات مع شعب جنوب السودان على أساس مختلف: التعاون الطوعي، والاحترام المتبادل، والتقارب التدريجي الذي يقرره الشعبان بحرية.

ولذلك يمكن مناقشة المستقبل بلغة المصالحة والتعاون والمصلحة المشتركة، بدلًا من أحكام الماضي المسبقة وإخفاقاته.

فالنيلان لا يطلبان جوازات سفر قبل أن يلتقيا. وفي هذه الجغرافيا درس لنا.

علينا أن نعيد بناء ما هو أكثر من المباني

لقد كشفت الحرب الحالية العواقب الكارثية لضعف المؤسسات الوطنية وعمق الانقسامات الوطنية.

ولذلك، عندما تبدأ إعادة الإعمار في نهاية المطاف، ستواجه البلاد سؤالًا جوهريًا: هل سنعيد ببساطة بناء ما كان قائمًا من قبل، أم سنبني شيئًا مختلفًا؟

يمكن لإعادة الإعمار أن تشمل ما هو أكثر بكثير من المباني والجسور والطرق؛ يمكن أن تشمل أيضًا إعادة بناء فكرة الوطن ذاتها.

بلد تعلو فيه المواطنة على القبيلة؛ ولا يُعامل فيه أي إقليم بوصفه هامشًا؛ وتكون فيه الموارد العامة ملكًا للجمهور؛ ويعرف تاريخه دون أن يصبح أسيرًا له.

بلد واثق بهويته بما يكفي ليتعامل مع أفريقيا والعالم العربي والمجتمع الدولي الأوسع دون أن يتخلى عن استقلال فكره.

بلد يُحكم عبر مؤسسات ديمقراطية، وقيود دستورية، ومساواة أمام القانون، وتداول سلمي للسلطة، وهي المبادئ التي وضعتها الوثيقة التأسيسية في صميمها.

وفوق كل شيء، بلد يستطيع فيه الشاب أن يقول: «هذا وطني»، وهو يعلم أن هذه الكلمات تحمل حقوقًا ومسؤوليات معًا.

هذا هو معنى الاستقلال الجديد

الاستقلال الجديد، كما نطرحه هنا، ليس رفضًا للعالم، بل إعادة اكتشاف لأنفسنا.

إنه يعني استعادة الثقة الوطنية دون إنكار التنوع؛ واستعادة التاريخ دون العيش في الماضي؛ وحماية السيادة دون الانعزال؛ وانفتاح البلاد على العلم والتقنية والاستثمار وأفضل ما أنتجته البشرية من أفكار، دون افتراض أن التقدم يتطلب التخلي عن الهوية التاريخية.

وقبل أن نسأل ما إذا كانت البلاد تنتمي إلى الشرق أم الغرب، أو إلى أفريقيا أم العالم العربي، ثمة فرضية أكثر جوهرية جديرة بالتأمل:

نحن ننتمي إلى هذه الأرض.

الأنهار جزء من إرثنا. والأهرامات جزء من إرثنا. والبحر الأحمر جزء من جغرافيتنا ومستقبلنا. والجبال والسهول والغابات جزء من وطننا. والحضارات القديمة جزء من تاريخنا. وثقافات جميع مجتمعاتنا جزء من قصتنا الوطنية.

والمستقبل يبقى لنا لنبنيه معًا.

ولذلك فإن الوطنية المطروحة هنا للنقاش ليست وطنية في مواجهة شعب آخر، ولا ادعاءً بالتفوق على الآخرين، بل فرضية قائمة على الثقة الوطنية، والمواطنة المشتركة، والتنوع، والسيادة، واستقلال الفكر.

يبدأ الاستقلال الجديد عندما ندرك أن وطننا لا يحتاج إلى هوية أخرى لكي تكون له قيمة. فقيمته تأتي من شعبه وأرضه وتاريخه، ومما يختار مواطنوه أن يبنوه معًا.

لقد منحنا استقلالنا الأول دولة.

أما الاستقلال الجديد فيسعى إلى الإجابة عن سؤال: كيف نبني أمة؟

ولكن كيف نبني تلك الأمة؟

تبدأ إحدى الإجابات بما قد يكون أقوى أداة متاحة لأي بلد يسعى إلى تغيير مستقبله: التعليم.

لا التعليم بوصفه شعارًا، ولا مجرد مزيد من المدارس أو الجامعات أو الشهادات.

المقترح هو تعليم عالي الجودة قادر على منافسة أفضل النظم التعليمية في العالم.

وهذا لا يحتمل الانتظار.

فلا يمكن تأجيل الإصلاح التعليمي على نحو معقول إلى أن يتعافى الاقتصاد تمامًا، أو يُعاد بناء كل مؤسسة، أو يُحسم كل خلاف سياسي. يجب أن يبدأ العمل فورًا، ويمكن أن يبدأ بخطوة عملية.

منهج وطني واحد متاح للجميع

المقترح هو وضع منهج وطني موحد لجميع مراحل التعليم ما قبل الجامعي، مصمم وفق معيار قادر على المنافسة دوليًا. وينبغي أن يكون هذا المنهج ملكًا للأمة كلها، ومتاحًا للجميع.

ولا ينبغي بعد اليوم أن يُفهم التعليم بوصفه فرصة لا توجد إلا خلال مرحلة معينة من الطفولة. فقد حرمت الحرب والنزوح والفقر وعدم المساواة بين الأقاليم وعقود من تدهور التعليم كثيرين من فرص كان ينبغي أن تكون من حقهم.

قد يكون طفل قد فاتته عدة سنوات دراسية، وقد يكون مراهق قد شرّدته الحرب، وقد يكون شاب قد اضطر إلى العمل بدلًا من الدراسة، وقد يكون بالغ لم تُتح له قط فرصة إكمال التعليم الابتدائي أو الثانوي.

ولا ينبغي أن يتخلى النظام التعليمي عن أي منهم.

ولذلك يمكن، إلى جانب النظام المدرسي العادي، إتاحة المنهج الوطني نفسه عبر برنامج وطني مفتوح للتعليم يمكن أن يلتحق به الأطفال والمراهقون والبالغون الموجودون خارج التعليم النظامي أو الذين انقطع تعليمهم.

قد تختلف طريقة التعلم، لكن المعيار لا ينبغي أن يختلف.

ويمكن إتاحة المنهج رقميًا، وعند الحاجة في صورة مطبوعة. ويمكن للتقنية أن تجعل الدروس متاحة في جميع أنحاء البلاد، وحيثما كان ذلك مناسبًا للمواطنين النازحين والمجتمعات المقيمة في الخارج.

ويمكن للناس أن يدرسوا وفقًا لظروفهم، وأن يدخلوا نظام الامتحانات الوطني عندما يكونون مستعدين. وعندما يدخلون قاعة الامتحان، لا ينبغي أن يكون بينهم أي تمييز: المنهج نفسه، والامتحان نفسه، ومعيار التصحيح نفسه، والشهادة نفسها، والفرصة نفسها للتقدم.

فالشاب ذو الستة عشر عامًا الملتحق بمدرسة ثانوية نظامية، والشاب ذو الخمسة والعشرين عامًا الذي قطعت الحرب تعليمه، ينبغي أن يُقيَّما في النهاية وفق المعيار الأكاديمي نفسه.

فالمهم ليس أين اكتسب الشخص المعرفة أو متى أو كيف، بل المهم هو ما إذا كان قد أتقنها.

لا طريق مسدودًا في التعليم

سيعمل هذا النظام جنبًا إلى جنب مع التعليم العادي، لا بديلًا عنه.

وستظل المدارس المسار التعليمي الرئيسي للأطفال والشباب، إذ تقدم التعليم الأكاديمي إلى جانب النمو الاجتماعي والرياضة والثقافة والصداقة والتفاعل. لكن البرنامج الوطني الموازي سيفتح بابًا آخر.

وينبغي أن يبقى هذا الباب مفتوحًا.

والمبدأ الأساسي بسيط: لا ينبغي أن يخسر أي شخص مستقبله لمجرد أن فرصة تعليمية فاتته.

فالأمة التي تعيد البناء بعد الحرب تواجه مشكلة عملية تتمثل في جيل ربما انقطع تعليمه. والشخص الذي خسر خمس سنوات من التعليم قد خسر بالفعل خمس سنوات، ولا داعي لأن يحوّل النظام التعليمي تلك السنوات الضائعة إلى عائق دائم أمام مستقبله.

ولذلك لا ينبغي أن يكون هناك طريق مسدود في التعليم.

ينبغي أن يجد المراهق العائد إلى التعليم طريقًا إلى الأمام، وكذلك البالغ الراغب في إكمال تعليمه الثانوي، والنازح، والعامل الذي يدرس مساءً، والأم أو الأب الذي ترك المدرسة منذ سنوات طويلة ويرغب في العودة إليها.

ينبغي أن يبقى باب التعليم مفتوحًا.

تكافؤ الفرص يجب أن يكون له معنى

لا تتحقق المساواة بمجرد النص في الدستور على أن جميع المواطنين متساوون، بل تعتمد أيضًا على مؤسسات تمكّن من يبدؤون حياتهم في ظروف شديدة الاختلاف من التنافس وفق قدراتهم وجهدهم.

المواهب موجودة في كل مكان، أما الفرص فلا.

ولذلك فإن المقترح هو أن يحظى الطفل المولود في قرية نائية بالفرصة الأساسية نفسها لاكتشاف قدراته وتنميتها التي يحظى بها الطفل المولود في العاصمة.

ولا ينبغي أن يحدد دخل الأسرة أو قبيلتها أو عرقها أو إقليمها أو مكانتها الاجتماعية جودةَ التعليم المتاح لأطفالها.

ويمكن لنظام تعليمي وطني أن يبحث عن الذكاء والقدرة في كل قرية وبلدة وإقليم، وأن يوفر مسارات يتقدم الناس من خلالها وفقًا لموهبتهم وعزيمتهم وإنجازهم.

وتقترح الوثيقة التأسيسية بالفعل مدارس ثانوية إقليمية تعمل وفق معايير وطنية موحدة، وتقدم تعليمًا مجانيًا، وتقبل الطلاب عبر امتحان وطني موحد. كما تتصور جمع الطلاب من مختلف أنحاء البلاد ليصبح التعليم أداةً للتقدم الفردي وللاندماج الوطني معًا.

ويمكن لمثل هذا النظام أن يجمع أطفالًا من دارفور والشرق والنوبة وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة والأقاليم الوسطى والعاصمة القومية في مؤسسات تعليمية مشتركة.

ويمكنهم أن يدرسوا معًا، ويتنافسوا أكاديميًا، ويمارسوا الرياضة، ويعيشوا معًا، وأن يلتقي بعضهم ببعض لا بوصفهم مجتمعات بعيدة أو قبائل أو صورًا نمطية، بل زملاء دراسة ومواطنين.

وهكذا يمكن أن يصبح التعليم لا وسيلةً لاكتساب المعرفة فحسب، بل إحدى المؤسسات التي تتشكل من خلالها هوية وطنية مشتركة.

التعليم والسيادة الوطنية

لا ينبغي أن يتحدد المعيار المقترح للتعليم بالمقارنة داخل البلاد وحدها.

فالسؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل هذا التعليم جيد بما يكفي لمنافسة العالم؟

ينبغي أن تزود المدارس الشباب بالعلوم والرياضيات والتقنية واللغات والتفكير النقدي والإبداع والمهارات اللازمة للمشاركة في اقتصاد عالمي يزداد اعتمادًا على التقنية. ويمكن أن يمتد الطموح نفسه إلى الجامعات ومؤسسات التعليم المهني والبحث العلمي والتدريب المهني.

فالثروة الوطنية لا تُقاس في نهاية المطاف بما في باطن الأرض وحده.

الذهب يمكن أن ينضب، والنفط يمكن أن ينفد، وأسعار السلع ترتفع وتنخفض.

لكن الشعب المتعلم قادر على أن ينتج باستمرار معرفة جديدة وإنتاجية وقيمة اقتصادية.

فالتعليم ينتج الأطباء والمهندسين والمعلمين والعلماء والمزارعين ورواد الأعمال والفنيين والباحثين والفنانين وموظفي الخدمة العامة. وهو يبني القدرات المؤسسية، ويدعم التطور التقني، ويمكّن من قيام أعمال وصناعات جديدة، ويرفع الإنتاجية.

وكل جيل متعلم يساعد في تعليم الجيل الذي يليه.

ولهذا يحتل التعليم مكانة بالغة الأهمية في مفهوم الاستقلال الجديد.

والهدف هو بلد يُعد فيه كل عقل بشري ثروة وطنية لا ينبغي إهدار إمكاناتها.

لا يمكننا أن نستعيد السنوات التي خسرها الناس بالفعل، لكن يمكننا تصميم نظام تعليمي لا تعني فيه خسارة تلك السنوات بالضرورة خسارة مستقبلهم.

هذه أفكار للنقاش، لا نهاية للنقاش

وهذا يقودنا إلى ما قد يكون أهم غايات هذا الموقع.

ما قرأته أعلاه يمثل أفكارًا ومقترحات للنظر والنقاش. وقد قُدّمت الوثيقة التأسيسية نفسها بوصفها أساسًا للنقاش العام ولمواصلة تطوير أفكار الحزب ومؤسساته.

ولهذا لا يقدّم حزب الاستقلال الجديد وثائقه بوصفها الكلمة الأخيرة في مستقبل بلادنا.

إنها بداية.

فالوثيقة التأسيسية والنظام الأساسي واللوائح وأوراق السياسات تهدف إلى توفير إطار للنقاش والنقد والتطوير، وصولًا إلى اتخاذ القرار الجماعي. وهي تظل مفتوحة للفحص والتحسين بينما نمضي نحو المؤتمر التأسيسي.

فلا يمكن لأي تنظيم سياسي أن يدّعي على نحو معقول امتلاك كل الإجابات، ولا يمكن لمجموعة صغيرة من الناس أن تصمم مستقبل أمة بأكملها.

فالمعلمون يملكون معرفة بالتعليم يحتاج صانعو السياسات إلى سماعها، والمزارعون يملكون معرفة عملية بالزراعة، والأطباء والعاملون في الرعاية الصحية يفهمون واقع النظام الصحي، والمهندسون قادرون على تقدير ما هو ممكن تقنيًا واقتصاديًا من البنى التحتية.

والاقتصاديون والقانونيون والعلماء والأكاديميون ورجال الأعمال والفنانون والكتّاب والفنيون والعمال المهرة جميعهم يملكون معرفة ذات صلة بالسياسات العامة. ويملك المواطنون العاديون أيضًا معرفة مستمدة من تجربتهم اليومية لا يمكن دائمًا التقاطها في التقارير والإحصاءات. وقد يكتشف الشباب إمكانات أغفلتها المؤسسات القائمة.

ندعو الأكاديميين والمهنيين والمزارعين والعمال ورجال الأعمال والشباب والنساء والرجال، المقيمين داخل البلاد وفي المهجر، وبخاصة من لم تحظَ أصواتهم تاريخيًا بالاهتمام الكافي، إلى المشاركة في هذا الحوار.

والغرض من فتح هذه الأفكار للنقاش هو عرضها على المعرفة والنقد والمقترحات البديلة.

نحن لا نطلب من مواطنينا أن يتفقوا معنا فحسب.

بل ندعوهم إلى أن يفكروا معنا، ويسائلونا، ويتحدوا افتراضاتنا، ويسهموا بمعرفتهم وخبرتهم في تطوير فكرة الاستقلال الجديد، وهي المحور الأساسي لهذا الموقع والأفكار المطروحة فيه.

ناقشوا الأفكار، وسائلوها، وهاتوا أفكارًا جديدة

ندعو القراء إلى فحص الوثيقة التأسيسية والسياسات والمقترحات المنشورة على هذا الموقع بعين ناقدة.

أين تكون الحجة قوية؟ وأين تكون ضعيفة؟ ما الذي أُغفل؟ ما الصعوبات العملية التي ستنشأ؟ ما الذي ينبغي تغييره؟ ما الأدلة التي ينبغي أخذها في الاعتبار؟ وما المقترحات البديلة الجديرة بالنظر؟

ولا تشترط المشاركة في هذا النقاش الاتفاق مع الحزب، كما لا تشترط المساهمة بالمعرفة المهنية بالضرورة العضوية في الحزب.

فالأكاديميون والمهنيون والمختصون والطلاب والشباب وأبناء المهجر وأصحاب الخبرة العملية في كل مجال يمكنهم جميعًا الإسهام بوجهات نظر قد ترتقي بجودة النقاش.

ولذلك ينبغي فهم وثائق السياسات المنشورة هنا بوصفها وثائق قيد التطوير لا كتبًا مغلقة.

يمكن اختبار الأفكار بالأدلة، ومساءلة المقترحات، وتحديد مواطن الضعف، وطرح البدائل.

وحيثما ظهرت فكرة أفضل، فهي جديرة بالنظر الجاد.

موقع للتفكير في مستقبل البلاد

ولذلك فإن الغرض من هذا الموقع أوسع من تقديم حزب الاستقلال الجديد؛ فهو يهدف إلى توفير منصة لنقاش جاد حول مستقبل الوطن.

تمتد الأسئلة المطروحة أمامنا إلى كل جانب من جوانب الحياة الوطنية: كيف ينبغي أن يكون نظامنا التعليمي؟ كيف تُدار الثروة الوطنية وتُوزّع؟ كيف تُحكم الأقاليم؟ كيف يمكن أن تصبح الزراعة محركًا للرخاء؟ كيف يُعاد بناء السكك الحديدية؟ كيف يمكن أن يصبح البحر الأحمر بوابة للتجارة الإقليمية؟ كيف تُنظَّم الرعاية الصحية؟ كيف تُحمى المياه والبيئة؟ ما الصناعات التي يمكن تطويرها واقعيًا؟ كيف يمكن للتقنية أن تحوّل عمل الحكومة؟ كيف تُستعاد المعايير المهنية والأخلاقية في المؤسسات العامة؟ كيف يُعاد بناء العلاقات بين المجتمعات؟ وأي علاقة مستقبلية ينبغي أن تنشأ مع جنوب السودان؟

وربما يكون السؤال الأكبر على الإطلاق:

أي أمة ينبغي أن يرثها الجيل القادم؟

هذه الأسئلة أكبر من أي حزب سياسي بمفرده؛ إنها تخص البلاد كلها.

تمتلك بلادنا موارد بشرية وطبيعية استثنائية: أراضي زراعية ومياهًا ومعادن وثروة حيوانية وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وفوق كل ذلك ملايين البشر الذين طالما قيّدت النزاعاتُ وعدم الاستقرار السياسي وضعفُ المؤسسات قدراتهم.

ولذلك فإن المهمة التي أمامنا ليست مجرد إعادة بناء ما دُمّر.

بل إعادة النظر فيما ينبغي أن يُبنى.

أمامنا فرصة لتصور دولة قائمة على المواطنة، والمساواة أمام القانون، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، والفدرالية الحقيقية، والفرص الاقتصادية، واحترام كرامة كل مواطن.

لكن قبل أن نبني مثل هذه الدولة، علينا أن نستعيد شيئًا أكثر جوهرية:

الثقة بأنفسنا.

لقد أرسى الاستقلال الأول السيادة السياسية، وفكرة الاستقلال الجديد تسأل عما يجب أن يأتي بعد ذلك: كيف يمكن للهوية الوطنية والمعرفة والمؤسسات وتكافؤ الفرص والاستخدام المسؤول لموارد البلاد أن تحوّل السيادة إلى أمة فاعلة ومزدهرة.

هكذا يمكن أن يصبح الوعي الوطني إنجازًا وطنيًا. وهكذا يمكن أن تصبح المواطنة المتساوية واقعًا عمليًا لا مجرد وعد دستوري. وهكذا يمكن أن تصبح الموارد رخاءً. وهكذا يمكن أن يصبح التنوع مصدرًا للقوة الوطنية.

وهكذا يمكن لدولة أن تتطور إلى أمة تتشارك إحساسًا بماضيها وثقةً بمستقبلها.

لقد كان الاستقلال السياسي إنجازًا تاريخيًا.

أما الاستقلال القادم فيجب أن يكون استقلالًا في الهوية والفكر والمؤسسات والغاية الوطنية.

لقد منحنا استقلالنا الأول دولة.

أما الاستقلال الجديد فيسأل: كيف نبني أمة جديرة بأرضنا وتاريخنا وشعبنا والأجيال القادمة؟

هذا الموقع دعوة للمشاركة في هذا النقاش.

التقدم مبدأ إنساني عالمي وليس اختراعاً لأي أيديولوجيا سياسية

يقوم حزب الاستقلال الجديد على أربعة مبادئ أساسية، هي: الاستقلال، والمساواة، والعدالة، والتقدم. ولكل مبدأ من هذه المبادئ معناه وأهميته، غير أن مبدأ التقدم يستحق قدراً خاصاً من الاهتمام، لأنه كثيراً ما يُساء فهمه أو يُربط بأيديولوجيات سياسية لا تملك حقاً حصرياً في تبنيه أو التعبير عنه.

ونود أن نوضح هذا المبدأ، على وجه الخصوص، للأجيال الشابة في السودان، التي نعوّل عليها كثيراً في تغيير مسار بلادنا. فمستقبل السودان سيعتمد على جيل قادر على التفكير المستقل، ومراجعة المسلّمات الموروثة، واتخاذ القرارات على أساس التعليم والمعرفة والأدلة العلمية، بدلاً من الشعارات السياسية أو الأحكام المسبقة ذات الطابع الأيديولوجي.

ويمكن التعبير عن فهمنا لمبدأ التقدم في عبارة بسيطة:

«إن الماضي ليس أفضل ما يمكن أن يقدمه السودان؛ فغايتنا هي بناء مستقبل أفضل».

ليس في هذه العبارة ما يدعو إلى التخلي عن تاريخنا أو التقليل من إنجازات أسلافنا. فعلى العكس من ذلك، يمتلك السودان إرثاً حضارياً عريقاً يستحق الاعتزاز والفخر. ولكن احترام الماضي لا ينبغي أن يعني التسليم بأن أفضل ما يستطيع شعبنا تحقيقه قد تحقق بالفعل. فكل جيل يرث شيئاً ممن سبقوه، وتقع على عاتقه مسؤولية أن يترك لمن يأتون بعده ما هو أفضل.

هذا هو المعنى الذي نقصده بالتقدم.

ومع ذلك، فإن الكلمة نفسها تثير أحياناً قدراً غير مبرر من الالتباس. فهناك من يربط التقدم بالماركسية أو الاشتراكية أو غيرهما من الحركات السياسية الحديثة، وكأن فكرة التقدم الإنساني قد نشأت مع إحدى هذه المدارس الفكرية. غير أن هذا التفسير يتجاهل تاريخاً طويلاً من النقاش الفلسفي بدأ قبل ميلاد كارل ماركس بقرون.

تعود كلمة التقدم في اللغات الأوروبية إلى الأصل اللاتيني Progressus، الذي يعني السير إلى الأمام أو المضي قدماً. ومع مرور الزمن، اكتسبت الكلمة معنى أوسع، فلم تعد تشير إلى الحركة المادية وحدها، بل أصبحت تعبّر أيضاً عن تطور المعرفة الإنسانية والحضارة والمجتمع.

وكان الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، الذي عاش بين عامي 1561 و1626، من المفكرين الذين أسهموا في ترسيخ هذا الفهم.

ففي كتابه الأورغانون الجديد (Novum Organum)، الصادر سنة 1620، انتقد بيكون الأساليب التي كانت تُكتسب بها المعرفة وتُقبل على أساسها الآراء السائدة. فقد كانت الجامعات الأوروبية في ذلك الوقت لا تزال متأثرة إلى حد كبير بالتقاليد الفكرية الكنسية وبسلطة أفكار أرسطو. وكان بيكون يرى أن المعرفة لا ينبغي أن تقوم على مجرد التسليم بالتعاليم الموروثة، بل على ملاحظة الطبيعة، وإجراء التجارب، والبحث عن الأدلة، والاستعداد لمراجعة الاستنتاجات التي لا تصمد أمام الاختبار.

وقد اكتسب إسهامه أهمية خاصة لأنه وضع البحث الإنساني وإمكانية اكتشاف معارف جديدة في صميم التطور الفكري. فإذا استطاع الإنسان أن يطور فهمه للطبيعة، فإنه يستطيع أيضاً أن يحسن الظروف التي يعيش فيها.

وقد ساعد هذا المنهج في تهيئة الأسس الفكرية لعصر التنوير الأوروبي، الذي تطورت خلاله فكرة التقدم إلى مفهوم أوسع يتعلق بالحضارة الإنسانية وقدرتها على التحسن.

وخلال القرن الثامن عشر، ذهب المفكر الفرنسي آن روبير جاك تورغو إلى أن المعرفة الإنسانية تتطور من خلال تراكم تجارب الأجيال المتعاقبة. ففي خطابه الذي قدمه سنة 1750 عن التقدم المتعاقب للعقل البشري، وصف الحضارة بأنها عملية مستمرة، يرث فيها كل جيل اكتشافات الأجيال السابقة وتجاربها، وتتاح له الفرصة لتطويرها والإضافة إليها.

وكان هذا التصور يمثل تحولاً مهماً عن الاعتقاد بأن المجتمع الإنساني يجب أن يظل مقيداً بالتقاليد القائمة، أو أن أعظم الإنجازات تنتمي بالضرورة إلى عصور سابقة. فقد أتاح تصوراً مختلفاً، يقوم على أن المعرفة يمكن أن تتراكم، والمؤسسات يمكن أن تتحسن، والمجتمعات تستطيع أن تتقدم بجهود أبنائها.

ثم جاء الفيلسوف الفرنسي ماركيز دي كوندورسيه ليطور هذا الفهم بصورة أوسع. ففي كتابه مخطط لصورة تاريخية لتقدم العقل البشري، الذي نُشر سنة 1795، رأى أن تطور المعرفة العلمية والتعليم والحرية السياسية والمساواة يمكن أن يؤدي إلى تحسين أحوال البشر. ولم يكن كوندورسيه ينظر إلى الجهل والقهر وعدم المساواة باعتبارها أوضاعاً دائمة في حياة الإنسان، بل كان يرى أنها عقبات يمكن مواجهتها وتجاوزها من خلال نشر المعرفة وتطوير المؤسسات الاجتماعية.

أما الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، فقد تناول المسألة من زاوية أخرى. ففي مقالته الشهيرة المنشورة سنة 1784 بعنوان إجابة عن السؤال: ما التنوير؟، دعا الإنسان إلى استخدام عقله وفهمه المستقل، بدلاً من الاعتماد دون تساؤل على سلطة الآخرين. وكان يرى أن الاستقلال الفكري وحرية التفكير والشجاعة في استخدام العقل تمثل شروطاً أساسية للتنوير.

وما يجمع بين هؤلاء المفكرين ليس انتماءهم إلى أيديولوجيا سياسية واحدة، فقد تناولوا تطور الإنسان من منطلقات فلسفية مختلفة، ولكنهم اشتركوا في الاهتمام بقدرة البشر على تحسين ظروف حياتهم من خلال المعرفة والعقل والتفكير المستقل.

غير أن هذا النقاش كانت له أيضاً زاوية أخرى مهمة. فلم يكن جميع الفلاسفة يعتقدون أن كل تقدم في مظاهر الحضارة يؤدي بالضرورة إلى تحسين حياة الإنسان.

فقد تساءل جان جاك روسو، في القرن الثامن عشر، عما إذا كان تطور العلوم والفنون والثروة والرقي الثقافي يجعل الإنسان بالضرورة أكثر فضيلة وأخلاقاً. وفي كتابه خطاب في العلوم والفنون، الصادر سنة 1750، حذّر من أن التقدم المادي قد يتزامن مع انتشار الفساد وعدم المساواة والتدهور الأخلاقي.

ولا يزال تحذيره يحتفظ بأهميته حتى يومنا هذا. فقد تمتلك دولة ما مباني شاهقة وطرقاً حديثة وصناعات متطورة وأحدث التقنيات، بينما تعيش قطاعات واسعة من سكانها في الفقر، أو تعاني من الظلم، أو تُحرم من الحريات الأساسية. وقد تكون هذه الدولة قد حققت تطوراً اقتصادياً أو تقنياً، ولكن هل يمكن القول إنها حققت تقدماً إنسانياً حقيقياً؟

بالنسبة إلى حزب الاستقلال الجديد، فإن التنمية المادية وحدها لا تكفي. فالمعيار النهائي للتقدم يجب أن يكون أثره في حياة الناس. هل تحسنت ظروف معيشتهم؟ هل أصبحت فرص التعليم والعمل أكثر اتساعاً؟ هل صارت كرامتهم وحقوقهم أكثر حماية؟ هل نشأت مؤسسات تخدم المواطنين بعدالة وكفاءة؟ وهل أصبح بإمكانهم المشاركة بصورة حقيقية في القرارات التي تؤثر في مستقبلهم؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من مجرد المظاهر الخارجية للحداثة.

وفي ظل هذه الخلفية الفلسفية التي كانت قد ترسخت بالفعل، وضع كارل ماركس نظرياته خلال القرن التاسع عشر. فقد قدم ماركس، الذي عاش بين عامي 1818 و1883، تفسيره الخاص للتغير التاريخي، مع التركيز على الظروف الاقتصادية وتطور قوى الإنتاج والصراع بين الطبقات الاجتماعية.

وفي البيان الشيوعي، الذي نشره بالاشتراك مع فريدريك إنجلز سنة 1848، تناول ماركس التحولات التي أحدثها تطور النظام الرأسمالي وظهور علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة. وكان تفسيره للتاريخ متميزاً، وقد تركت كتاباته فيما بعد أثراً كبيراً في الفكر السياسي والاقتصادي.

لكن ماركس لم يخترع فكرة التقدم. فعندما بدأ في وضع نظرياته، كان الفلاسفة قد ناقشوا بالفعل، وعلى مدى أجيال، قضايا تطور الإنسان والاكتشاف العلمي والتعليم والحرية وتحسين المجتمع.

ومن ثم، فإن الادعاء بأن كل حركة سياسية تتبنى التقدم مبدأً من مبادئها يجب أن تكون حركة ماركسية هو ادعاء غير صحيح تاريخياً. فهو يخلط بين مفهوم فلسفي واسع ونظرية معينة لتفسير التطور التاريخي. وقد تناول مفكرون من مدارس فلسفية متعددة مفهوم التقدم ودافعوا عنه، ولا تستطيع أي أيديولوجيا سياسية أن تدعي ملكيته الحصرية.

وهذا التمييز مهم بالنسبة إلى حزب الاستقلال الجديد. فنحن لا نتبنى التقدم باعتباره صيغة أيديولوجية مستوردة، ولا نؤمن بأن التاريخ يسير وفق مسار محدد سلفاً يؤدي حتماً إلى مجتمع أفضل. بل ننظر إلى التقدم باعتباره مسؤولية وطنية، تقوم على إيماننا بأن الشعب السوداني قادر على تحسين ظروف حياته من خلال المعرفة والعمل والمؤسسات والاختيارات السياسية التي يتخذها.

ولننظر إلى واقع السودان اليوم. فبلادنا تمتلك موارد طبيعية واسعة، وأراضي زراعية خصبة، وتاريخاً حضارياً طويلاً، وشعباً قادراً على الإسهام في التنمية الوطنية. ومع ذلك، فقد شهد السودان أزمات سياسية متكررة، وصراعات مسلحة، وتدهوراً اقتصادياً، وإخفاقات مؤسسية. وقد أظهرت الحرب الحالية، بصورة مأساوية، مدى السرعة التي يمكن أن تُدمَّر بها إنجازات تراكمت عبر أجيال متعاقبة.

فالتاريخ لا يضمن لأي أمة أن تواصل التقدم. وقد تتراجع الدول إلى الوراء، وتنهار المؤسسات، وتتدهور الاقتصادات، وتفقد المجتمعات ما كانت تتمتع به من أمن وفرص.

ولهذا السبب، لا يمكننا أن ننظر إلى التقدم باعتباره أمراً سيحدث لمجرد مرور الزمن، أو لأن القادة السياسيين يعدون بمستقبل أفضل. فالتقدم يتطلب اختيارات واعية، وحكماً مسؤولاً، ومؤسسات عامة فاعلة، والتزاماً مستمراً برفاه المواطنين.

ويجب أن يحتل التعليم والمعرفة العلمية مكانة مركزية في هذا الجهد. فلا يمكن لدولة أن تبني اقتصاداً حديثاً منتجاً بينما تهمل تعليم أبنائها أو تقيد حرية البحث والتفكير المستقل. ويجب أن تتاح للشباب السوداني فرص تنمية قدراتهم، ومراجعة الافتراضات السائدة، واكتساب المهارات العملية، والمشاركة في التطورات العلمية والتقنية التي تشكل عالمنا المعاصر.

لكن التعليم وحده لن يكون كافياً إذا استمر المجتمع في قبول الظلم وعدم المساواة. فلا يمكن اعتبار التنمية الاقتصادية ناجحة عندما تظل الفرص محصورة في جماعات أو مناطق بعينها، أو عندما يُحرم المواطنون من الخدمات العامة الأساسية والمشاركة السياسية.

ولذلك، يجب أن تخضع مؤسسات الدولة لحكم القانون والمساءلة. وينبغي أن يكون هدفها خدمة الشعب السوداني باعتباره مواطنين متساوين في الحقوق، لا حماية مصالح أفراد أو جماعات أو مناطق جغرافية بعينها. فمن دون مؤسسات فاعلة ومحايدة، قد تفشل حتى الموارد الاقتصادية الكبيرة في إحداث تحسن مستدام في حياة الناس.

وينبغي توظيف موارد السودان الطبيعية والبشرية لبناء اقتصاد منتج، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، ودعم التنمية في جميع أنحاء البلاد. ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد زيادة الثروة الوطنية، بل ضمان وصول فوائد التنمية إلى أوسع قطاعات المجتمع.

ولا يتطلب أي من ذلك التخلي عن هويتنا الثقافية أو إرثنا الحضاري. بل إن تاريخنا ينبغي أن يكون مصدراً للثقة في قدرة المجتمع السوداني على الإنجاز.

فحضارات السودان القديمة، والتقاليد الثقافية المتنوعة التي نشأت وتطورت عبر أراضيه، تشكل جزءاً من تراثنا الوطني المشترك. وهي تستحق الدراسة والحفظ والتقدير. ولكن إنجازات الأجيال السابقة يجب أن تلهمنا لتحقيق إنجازات جديدة، لا أن تقنعنا بأن أفضل أيامنا قد مضت.

ولا ينبغي لنا أن نصور الماضي وكأنه عصر مثالي خالٍ من العيوب، كما لا ينبغي أن نرفضه لمجرد أنه ينتمي إلى زمن سابق. بل علينا أن نحافظ على ما هو قيّم فيه، وأن نراجع ما أخفقنا فيه، وأن نصحح ما يحتاج إلى تصحيح، وأن نكون مستعدين لتطوير أفكار ومؤسسات جديدة عندما تصبح المؤسسات والممارسات القائمة غير قادرة على خدمة مصالح شعبنا.

وهذا الأمر مهم بصورة خاصة للأجيال الشابة في السودان. فقد ورثت هذه الأجيال بلداً يواجه صعوبات هائلة، لكنها ورثت أيضاً تاريخه وموارده ومعارفه وإمكاناته. وليست مسؤوليتها أن تظل تكرر الخلافات السياسية التي خاضتها الأجيال السابقة إلى ما لا نهاية، أو أن تقبل ببقاء السودان أسيراً للصراعات نفسها والإخفاقات المؤسسية ذاتها.

بل ينبغي لها أن تكون مستعدة لدراسة أسباب تلك الإخفاقات، والتفكير في كيفية بناء مستقبل مختلف.

ولن ينشأ ذلك المستقبل من الشعارات وحدها. فهو يحتاج إلى تفكير جاد، وتعليم، ومسؤولية سياسية، ومشاركة عامة، وشجاعة في مراجعة الممارسات التي أصبحت مألوفة لمجرد أنها استمرت زمناً طويلاً.

فالتقدم، كما نفهمه، ليس وعداً بأن الغد سيكون تلقائياً أفضل من اليوم، بل هو التزام بالعمل من أجل أن نجعله أفضل.

إن تأكيد فرانسيس بيكون على الملاحظة والبحث العلمي، وفهم تورغو لتراكم المعرفة الإنسانية، وإيمان كوندورسيه بالتعليم والمساواة، ودفاع كانط عن استقلال الفكر، وتحذير روسو من الخلط بين التقدم المادي والتحسن الإنساني، كلها إسهامات تنتمي إلى تراث فلسفي أوسع بكثير من أي أيديولوجيا حديثة. وقد جاء ماركس بعد ذلك ليقدم تفسيره الخاص للتطور التاريخي، ولكن فكرة التقدم لم تبدأ معه، ولا تنتمي حصرياً إلى مدرسته الفكرية.

إنها جزء من التراث الفكري المشترك للإنسانية.

ويتبنى حزب الاستقلال الجديد مبدأ التقدم بهذا المعنى الإنساني الواسع. فنحن نؤمن بأن السودان يستطيع أن يصبح بلداً تتمتع فيه الأجيال القادمة بقدر أكبر من الحرية والعدالة والمساواة والمعرفة والازدهار مقارنة بالأجيال التي سبقتها. ونؤمن بأن تحقيق هذا الهدف ممكن، ولكنه يعتمد على القرارات التي نتخذها، والمؤسسات التي نبنيها، والمسؤوليات التي نكون مستعدين لتحملها.

إننا نحترم أسلافنا ونعتز بما حققوه، ولكننا لا نريد للأجيال القادمة أن تكتفي بالإعجاب بإنجازاتهم. بل نريد لها أن تحقق إنجازاتها الخاصة، وأن تتاح لها فرص أفضل من تلك التي أتيحت لنا، وأن تعيش في وطن يُحكم بصورة أفضل من الوطن الذي ورثناه.

إن تاريخنا يستحق الاحترام والفخر، ولكن مستقبلنا يستحق منا الانتباه والعمل كل في مجاله ليتمتع بلدنا بالمكانة التي يستحقها بين شعوب الارض.

«إن الماضي ليس أفضل ما يمكن أن يقدمه السودان؛ فغايتنا هي بناء مستقبل أفضل».

حزب الاستقلال الجديد